تجميد الحسابات البنكية دون حكم أو تهمة في القانون الإماراتي
قد يكتشف صاحب الحساب — فرداً كان أو شركة — أن حسابه قد جُمِّد فجأةً ودون سابق إنذار، فلا يستطيع السحب ولا التحويل ولا التصرف في أمواله، بينما لم يصدر بحقه حكم ولم توجَّه إليه تهمة رسمية. هذا الموقف، رغم ما يثيره من قلق، لا يعني الإدانة ولا الاتهام؛ فالتجميد في الأصل تدبيرٌ تحفظيٌّ وقتيٌّ رسم له المشرّع الإماراتي إطاراً دقيقاً يحدّد الجهة التي تملكه ومدّته. وفهم هذا الإطار هو الفارق بين موقفٍ يُدار قانونياً بهدوء وبين خسارةٍ ناتجة عن تصرّفٍ خاطئ.
تجميد الحسابات البنكية دون حكم أو تهمة في القانون الإماراتي: ما هو؟ ومن يملكه؟ وكم مدته؟
أعاد المشرّع الإماراتي تنظيم هذه المسألة في المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025 في شأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، الصادر في 30 سبتمبر 2025، والذي ألغى صراحةً المرسوم بقانون اتحادي رقم (20) لسنة 2018، وصدرت لائحته التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم (134) لسنة 2025. وقد عرّف هذا القانون التجميد تعريفاً واضحاً، وحدّد الجهات المختصة بإصداره ومدده. وفيما يلي بيانٌ مفصّل لكل ذلك مستندٌ إلى نصّ القانون.
أولاً: ما المقصود بالتجميد؟ والفرق بينه وبين الحجز والمصادرة
فرّقت المادة الأولى من المرسوم بقانون بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط على غير المختص، رغم اختلاف آثارها القانونية اختلافاً جوهرياً. فالتجميد هو الحظر المفروض على تحويل الأموال أو التصرف فيها أو نقلها، مع بقائها في يد مالكها أو حائزها طوال مدة سريان القرار. أما الحجز فتتولّى فيه السلطة المختصة السيطرة الفعلية على الأموال وإدارتها. وأما المصادرة فهي نزعٌ دائم للملكية لا يكون إلا بموجب حكم صادر من محكمة مختصة.
عرّف القانون عبارة «دون إخطار مسبق» بأنها اتخاذ الإجراء دون إخطارٍ مسبق أو مشاركةٍ للمالك أو العميل أو الطرف المتضرر من اتخاذه. وهذا يفسّر لماذا يقع التجميد فجأةً ودون سابق تنبيه — فالمباغتة عنصرٌ مقصود في القانون حتى لا تُهرَّب الأموال قبل اتخاذ الإجراء.
ثانياً: لماذا يجوز التجميد دون حكم أو تهمة؟
جوهر الإجابة أن التجميد تدبيرٌ تحفظيٌّ وقتيٌّ يرتبط بمدة سريان القرار، وليس عقوبةً ولا إثباتاً للإدانة. فالقانون بُني على فكرة الاشتباه المعقول في ارتباط الأموال بالجريمة، لا على ثبوت الجريمة. وقد نصّ المرسوم بقانون صراحةً على أن جريمة غسل الأموال جريمةٌ مستقلة، وأنه لا يُشترط حصول الإدانة بارتكاب الجريمة الأصلية لإثبات المصدر غير المشروع للمتحصلات، بل يُستخلص العلم من الظروف الواقعية والموضوعية. ومن ثمّ فإن إجراء التجميد يسبق — بطبيعته — مرحلة الحكم، ويُتّخذ لحماية الأموال من التهريب لحين انتهاء التحقيق أو المحاكمة.
وجود قرار بتجميد الحساب لا يعني أن صاحبه مدان أو حتى متهم رسمياً؛ فهو إجراء وقتي مرتبط بمدة القرار، يهدف إلى المحافظة على الأموال محل الاشتباه، ويزول بزوال سببه أو بانقضاء مدّته أو بإلغائه.
ثالثاً: الجهات المختصة بإصدار قرار التجميد
حدّد المرسوم بقانون الجهات التي تملك سلطة إصدار قرار التجميد، ولكلٍّ منها نطاقٌ ومدّة:
يجب التمييز بين مسار التجميد التحقيقي/الجزائي (بقرار الوحدة أو النيابة العامة بموجب المرسوم بقانون 10/2025)، وبين مسار التجميد بموجب قوائم الجزاءات والعقوبات المالية المستهدفة (المرتبط بقرارات مجلس الوزراء وقرارات مجلس الأمن). فلكل مسار جهته وآلية مواجهته، والخلط بينهما من أكثر الأخطاء شيوعاً.
رابعاً: المدد القانونية للتجميد
لم يترك القانون مدّة التجميد مفتوحةً بلا ضابط، بل قيّدها بمدد محددة بحسب الجهة المُصدرة. فبموجب المادة الخامسة من المرسوم بقانون والمادة الحادية والخمسين من اللائحة التنفيذية، يكون أمر رئيس الوحدة بإيقاف أو تعليق العملية لمدة لا تجاوز عشرة أيام عمل، أما أمره بتجميد الأموال فيكون لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد من قبل النائب العام أو من يفوّضه للمدة التي يقرّرها بناءً على طلب الوحدة. وأوجبت اللائحة على رئيس الوحدة أن يرفع للنائب العام مقترحاً بإلغاء قرار تمديد التجميد حال زوال أسبابه.
وألزمت المنشآت المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة ومزوّدي خدمات الأصول الافتراضية برفع قرار التجميد في حالتين: إذا أُلغي القرار من قبل رئيس الوحدة، أو إذا انقضت مدة الثلاثين يوماً دون تمديد. أما تجميد النيابة العامة أو المحكمة المختصة بموجب المادة السادسة من المرسوم بقانون والمادة الثانية والخمسين من اللائحة، فيستمر لحين انتهاء التحقيق أو المحاكمة.
أوضحت المادة الرابعة والخمسون من اللائحة التنفيذية أن قرارات تجميد الأموال لدى المنشآت المالية ومزوّدي خدمات الأصول الافتراضية لا تُنفَّذ إلا من قبل الجهة الرقابية المختصة أو الوحدة بحسب الأحوال. فالبنك ينفّذ القرار ولا يُصدره من تلقاء نفسه.
خامساً: لماذا تُجمَّد الحسابات أصلاً؟ التزامات البنوك والرقابة عليها
كثيراً ما يبدأ التجميد من البنك نفسه تنفيذاً لالتزاماته القانونية. فقد أوجبت المادة الثامنة عشرة من المرسوم بقانون — وفصّلتها المادة الثامنة عشرة من اللائحة التنفيذية — على المنشآت المالية، عند الاشتباه أو توافر أسباب معقولة للاشتباه في عملية أو أموال متصلة بالجريمة، أن تبلّغ وحدة المعلومات المالية بدون تأخير، دون التعذّر بأحكام السرية المصرفية أو المهنية. وألزمتها اللائحة بتدابير العناية الواجبة، وبعدم فتح حسابات بأسماء مجهولة أو وهمية، وبعدم التعامل مع البنوك الوهمية، وبالتطبيق الفوري لتعليمات المكتب التنفيذي. كما حظرت المادة العشرون مزاولة الأنشطة المالية دون ترخيص أو قيد أو تسجيل.
وتخضع البنوك نفسها لرقابة وتفتيش — دوري أو مفاجئ ودون سابق إخطار — ولجزاءاتٍ إدارية عند المخالفة، وهو ما يفسّر صرامتها في تطبيق الإجراءات. وقد نظّم المرسوم بقانون اختصاصات الجهات الرقابية والجزاءات الإدارية في المادتين السادسة عشرة والسابعة عشرة. وفي إطار المصرف المركزي، يستمر العمل انتقالياً — بموجب المادة الواحدة والأربعين — بالقرارات الرقابية السابقة بما لا يتعارض مع القانون الجديد.
الأسئلة الشائعة
- المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025 في شأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، الصادر بتاريخ 30 سبتمبر 2025 (النافذ، والملغي للمرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2018).
- قرار مجلس الوزراء رقم (134) لسنة 2025 في شأن اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025، الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 2025.
- قرارات مجلس الوزراء المنظِّمة لقوائم الإرهاب والعقوبات المالية المستهدفة، السارية بشأن هذا المسار.
- قرار مجلس إدارة المصرف المركزي في شأن إجراءات الرقابة والتفتيش والجزاءات الإدارية على المنشآت المالية، الساري انتقالياً بموجب المادة (41) من المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2025.